• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات   بحوث ودراسات   الملف الصحفي   مواد مترجمة   كتب   صوتيات  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    ملف تفاعلي لكل بيت مسلم (PDF)
    د. خالد بن عبدالرحمن الجريسي
  •  
    بطاقة: الرقية بالقرآن الكريم
    د. خالد بن عبدالرحمن الجريسي
  •  
    بطاقة: أذكار الصباح والمساء
    د. خالد بن عبدالرحمن الجريسي
  •  
    بطاقة: الرقية بالسنة النبوية
    د. خالد بن عبدالرحمن الجريسي
  •  
    تيسير السيرة على صاحبها أزكى الصلاة وأتم السلام ...
    د. خالد بن عبدالرحمن الجريسي
  •  
    القيادة الإدارية من المنظور الإسلامي والإداري ...
    د. خالد بن عبدالرحمن الجريسي
  •  
    دليل المعتمر (PDF)
    د. خالد بن عبدالرحمن الجريسي
  •  
    الرقية الشرعية من القرآن الكريم والسنة النبوية ...
    د. خالد بن عبدالرحمن الجريسي
  •  
    خلق المسلم (PDF)
    د. خالد بن عبدالرحمن الجريسي
  •  
    أخلاقيات الإدارة من المنظور الإسلامي والإداري ...
    د. خالد بن عبدالرحمن الجريسي
  •  
    الرقية الشرعية الموجزة
    د. خالد بن عبدالرحمن الجريسي
  •  
    الرقية الشرعية المتوسطة
    د. خالد بن عبدالرحمن الجريسي
  •  
    دليل الحاج، ويليه: دليل الحاج المصور (PDF)
    د. خالد بن عبدالرحمن الجريسي
  •  
    ورد اليوم والليلة (PDF)
    د. خالد بن عبدالرحمن الجريسي
  •  
    الجريسي: سيرة ومسيرة عبدالرحمن بن علي الجريسي ...
    د. خالد بن عبدالرحمن الجريسي
  •  
    الرقية الشرعية من القرآن الكريم
    د. خالد بن عبدالرحمن الجريسي
شبكة الألوكة / المواقع الشخصية / مواقع المشايخ والعلماء / د. محمود بن أحمد الدوسري / خطب
علامة باركود

الابتلاء بالتكاليف الشرعية (خطبة)

الابتلاء بالتكاليف الشرعية (خطبة)
د. محمود بن أحمد الدوسري

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 9/8/2026 ميلادي - 26/2/1448 هجري

الزيارات: 738

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

الابتلاء بالتكاليف الشرعية

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِهِ الْكَرِيمِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

 

أَمَّا بَعْدُ؛ التَّكْلِيفُ فِي اللُّغَةِ: مِنَ الْكُلْفَةِ، وَهِيَ: الْمَشَقَّةُ[1]. وَالتَّكْلِيفُ فِي الشَّرْعِ: هُوَ إِلْزَامُ مَا فِيهِ مَشَقَّةٌ وَكُلْفَةٌ؛ فَلَا يَدْخُلُ فِي حَدِّهِ إِلَّا الْوَاجِبُ وَالْحَرَامُ فَقَطْ. وَقِيلَ: هُوَ طَلَبُ مَا فِيهِ مَشَقَّةٌ وَكُلْفَةٌ؛ فَيَدْخُلُ فِي حَدِّهِ الْوَاجِبُ وَالْمَنْدُوبُ، وَالْحَرَامُ وَالْمَكْرُوهُ.

 

فَالتَّكْلِيفُ إِذَنْ هُوَ: خِطَابُ الشَّارِعِ لِلْمُكَلَّفِينَ بِأَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ[2]. وَالْأَمْرُ: قَدْ يَكُونُ وَاجِبًا[3] أَوْ مَنْدُوبًا[4]. وَالنَّهْيُ: قَدْ يَكُونُ حَرَامًا[5] أَوْ مَكْرُوهًا[6]. وَبِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ تَتَحَقَّقُ الْعِبَادَةُ الَّتِي خُلِقَ الْخَلْقُ مِنْ أَجْلِهَا[7].

 

وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ بِالْعِبَادَاتِ الْمَشَقَّةَ وَالْكُلْفَةَ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ - وَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ ضِمْنًا وَتَبَعًا فِي بَعْضِهَا؛ لِأَسْبَابٍ اقْتَضَتْ ذَلِكَ لَا بُدَّ مِنْهَا، فَالْمَشَقَّةُ الْمَوْجُودَةُ فِي الْعِبَادَةِ وَالتَّكَالِيفِ هِيَ مَشَقَّةٌ مُعْتَادَةٌ[8].

 

وَهَذِهِ الْأَوَامِرُ وَالنَّوَاهِي الَّتِي يَبْتَلِي اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ، لَيْسَتْ لِمَنْفَعَةٍ تَعُودُ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِمَا يَعُودُ نَفْعُهُ وَمَصْلَحَتُهُ عَلَيْهِمْ فِي مَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ، وَنَهَاهُمْ عَمَّا تَعُودُ مَضَرَّتُهُ عَلَيْهِمْ فِي مَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ، فَحِكْمَةُ ابْتِلَائِهِ مُخْتَصَّةٌ بِهِمْ.

 

وَهُوَ سُبْحَانَهُ عَلِمَ أَعْمَالَ عِبَادِهِ وَأَحْوَالَهُمْ، وَمَا هُمْ إِلَيْهِ صَائِرُونَ– قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُمْ وَيُوجِدَهُمْ فِي دَارِ الِابْتِلَاءِ، ثُمَّ أَخْرَجَهُمْ إِلَيْهَا، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رُسُلَهُ، وَأَنْزَلَ كُتُبَهُ، وَشَرَعَ شَرَائِعَهُ، فَابْتَلَاهُمْ بِأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ، وَبِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ؛ لِيَظْهَرَ مَعْلُومُهُ الَّذِي عَلِمَهُ مِنْ قَبْلُ فِيهِمْ، فَيَسْتَحِقُّونَ بِذَلِكَ الْمَدْحَ أَوِ الذَّمَّ، وَالثَّوَابَ أَوِ الْعِقَابَ، وَيُعْذِرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ بِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ[9].

 

وَيُمَيِّزُ اللَّهُ تَعَالَى بِالِابْتِلَاءِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، وَالْمُطِيعِ وَالْعَاصِي،وَالصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ، وَمَنْ يَشْكُرُهُ وَيَعْبُدُهُ، وَمَنْ يَكْفُرُهُ وَيُعْرِضُ عَنْهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 179] أَيْ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَدَعَ الْمُؤْمِنِينَ مُخْتَلِطِينَ بِالْمُنَافِقِينَ وَالْكُفَّارِ حَتَّى يُمَيِّزَ بَيْنَهُمْ؛ بِمَا يَشْرَعُهُ مِنْ تَكَالِيفَ لَا يَسْتَجِيبُ لَهَا إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ الصَّادِقُونَ، فَيُعْرَفُ عِنْدَ ذَلِكَ الْمُؤْمِنُ مِنْ غَيْرِهِ. وَلَوْ لَمْ تَكُنِ التَّكَالِيفُ هِيَ الَّتِي تُمَيِّزُ بَيْنَ أُولَئِكَ لَمَا اسْتَطَاعَ أَحَدٌ أَنْ يُمَيِّزَ بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْغَيْبِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ إِلَّا بِوَاسِطَةِ رُسُلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُوحَى إِلَيْهِمْ[10].

 

وَهُوَ سُبْحَانَهُ بِهَذَا الِابْتِلَاءِ يَعْلَمُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ لِيَجْزِيَهُمْ؛ وَإِنْ كَانَ سُبْحَانَهُ يَعْلَمُ ذَلِكَ قَبْلَ وُقُوعِهِ، وَلَكِنِ اقْتَضَى عَدْلُهُ وَحَمْدُهُ أَنَّهُ لَا يَجْزِي الْعِبَادَ بِمُجَرَّدِ عِلْمِهِ فِيهِمْ حَتَّى يُوجَدَ مَعْلُومُهُ، وَيَتَحَقَّقَ مِنْهُمْ فَيَقَعَ الْجَزَاءُ عَلَيْهِ؛ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 142]. (أَيْ: لَا يَحْصُلُ لَكُمْ دُخُولُ الْجَنَّةِ حَتَّى تُبْتَلَوْا، وَيَرَى اللَّهُ مِنْكُمُ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ، وَالصَّابِرِينَ عَلَى مُقَاوَمَةِ الْأَعْدَاءِ)[11].

 

وَهُنَاكَ حِكَمٌ كَثِيرَةٌ، وَغَايَاتٌ عَظِيمَةٌ تَتَحَقَّقُ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ نَتِيجَةً لِقِيَامِهِمْ بِالتَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ، وَطَاعَتِهِمْ لِرَبِّهِمْ، وَلَوْلَا هَذَا الِابْتِلَاءُ بِهَذِهِ التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ لَمَا تَحَقَّقَتْ، وَمِنَ الْأَمْثِلَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 124].

 

وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ: أَنَّهُ ابْتَلَاهُ بِأَوَامِرَ وَنَوَاهٍ كَلَّفَهُ بِالْقِيَامِ بِهَا، فَقَامَ بِهَا خَيْرَ قِيَامٍ، وَأَدَّاهُنَّ أَحْسَنَ تَأْدِيَةٍ، مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ وَلَا تَوَانٍ؛ وَلِهَذَا جَعَلَهُ إِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ، وَأَبْقَى لَهُ الثَّنَاءَ الدَّائِمَ فِي الدُّنْيَا، وَجَعَلَ فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ، وَأَجْزَلَ لَهُ الْعَطَاءَ فِي الْآخِرَةِ.

 

فَلَمَّا وَفَّى بِذَلِكَ؛ امْتَدَحَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾ [النَّجْمِ: 37] أَيْ: إِنَّهُ أَطَاعَ اللَّهَ فِي جَمِيعِ أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ، وَأَكْمَلَ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ الَّتِي فَرَضَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَنْقُصْ مِنْهَا شَيْئًا[12].

 

وَمِنَ الِابْتِلَاءِ بِالتَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ: مَا ابْتَلَى اللَّهُ بِهِ أَصْحَابَ طَالُوتَ، عِنْدَمَا خَرَجُوا لِقِتَالِ جَالُوتَ وَقَوْمِهِ، فَابْتَلَاهُمْ بِالنَّهْيِ عَنِ الشُّرْبِ مِنَ النَّهَرِ - مَعَ شِدَّةِ عَطَشِهِمْ، وَاحْتِيَاجِهِمْ إِلَى الْمَاءِ - وَلَمْ يَأْذَنْ إِلَّا بِغَرْفَةٍ[13]؛ لِيَرَى طَاعَتَهُمْ وَامْتِثَالَهُمْ لِنَهْيِهِ، فَيَتَمَيَّزَ الصَّابِرُ الَّذِي يَثْبُتُ عِنْدَ الْقِتَالِ مِنْ غَيْرِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 249][14].

 

وَنَحْوُ هَذَا: مَا حَدَثَ لِأَصْحَابِ الْقَرْيَةِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ صَيْدَ السَّمَكِ فِي يَوْمِ السَّبْتِ؛ لِأَنَّهُ يَوْمٌ مُعَظَّمٌ عِنْدَهُمْ، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ عَنِ الِاصْطِيَادِ فِيهِ؛ ابْتِلَاءً وَامْتِحَانًا لَهُمْ، فَكَانَتِ الْحِيتَانُ تَكْثُرُ وَتَظْهَرُ فِيهِ دُونَ بَقِيَّةِ الْأَيَّامِ ابْتِلَاءً مِنَ اللَّهِ لَهُمْ؛ لِيَعْلَمَ امْتِثَالَهُمْ لِنَهْيِهِ، وَانْصِيَاعَهُمْ لِطَاعَتِهِ، وَلَكِنَّهُمْ خَالَفُوا النَّهْيَ؛ فَاحْتَالُوا عَلَى صَيْدِ السَّمَكِ فِي الْيَوْمِ الْمُحَرَّمِ عَلَيْهِمْ، فَمُسِخُوا قِرَدَةً! قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ [الْأَعْرَافِ: 163][15].

 

وَقَدِ ابْتَلَى اللَّهُ تَعَالَى الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِأَوَامِرَ وَنَوَاهٍ؛ لِيَظْهَرَ امْتِثَالُهُمْ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَاجْتِنَابُهُمْ لِنَهْيِهِ، وَيَتَحَقَّقَ فِيهِمْ مُرَادُ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ الِابْتِلَاءِ، وَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَعَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَوَجَّهَ – أَوَّلًا - بِالصَّلَاةِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ صَرَفَهُ عَنْهُ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَهَدَى قُلُوبَهُمْ، وَاسْتَجَابُوا لِأَمْرِ اللَّهِ، وَصَدَّقُوا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَيْقَنُوا أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ فَهُوَ حَقٌّ، وَأَنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ، وَلَهُ أَنْ يُكَلِّفَ عِبَادَهُ بِمَا شَاءَ، وَلَهُ الْحِكْمَةُ التَّامَّةُ، وَالْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 143][16].

 

وَمِنْ أَمْثِلَةِ مَا جَاءَ فِي الِابْتِلَاءِ بِالنَّهْيِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [الْمَائِدَةِ: 94]. نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ؛ حَيْثُ ابْتَلَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمُؤْمِنِينَ بِالصَّيْدِ، وَهُمْ مُحْرِمُونَ، فَيَغْشَاهُمْ فِي رِحَالِهِمْ، فَكَانُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنْ صَيْدِهِ أَخْذًا بِأَيْدِيهِمْ، وَطَعْنًا بِرِمَاحِهِمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ نَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ؛ لِتَظْهَرَ طَاعَةُ مَنْ يُطِيعُ مِنْهُمْ فِي سِرِّهِ وَجَهْرِهِ، وَتَتَمَيَّزَ مِنْ مَعْصِيَةِ الْعَاصِي[17].

 

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ... أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ.. وَعَنْ حِكْمَةِ الِابْتِلَاءِ بِالتَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ، يَقُولُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: (مِنْ تَمَامِ رَحْمَةِ أَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ: تَسْلِيطُ أَنْوَاعِ الْبَلَاءِ عَلَى الْعَبْدِ؛ فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِمَصْلَحَتِهِ، فَابْتِلَاؤُهُ لَهُ وَامْتِحَانُهُ وَمَنْعُهُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ أَعْرَاضِهِ وَشَهَوَاتِهِ: مِنْ رَحْمَتِهِ بِهِ، وَلَكِنَّ الْعَبْدَ لِجَهْلِهِ وَظُلْمِهِ يَتَّهِمُ رَبَّهُ، وَلَا يَعْلَمُ إِحْسَانَهُ إِلَيْهِ بِابْتِلَائِهِ وَامْتِحَانِهِ... فَمِنْ رَحْمَتِهِ سُبْحَانَهُ بِعِبَادِهِ: ابْتِلَاؤُهُمْ بِالْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي رَحْمَةً وَحِمْيَةً، لَا حَاجَةً مِنْهُ إِلَيْهِمْ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ، فَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ، وَلَا بُخْلًا مِنْهُ عَلَيْهِمْ بِمَا نَهَاهُمْ عَنْهُ، فَهُوَ الْجَوَادُ الْكَرِيمُ.

 

وَمِنْ رَحْمَتِهِ: أَنْ نَغَّصَ عَلَيْهِمُ الدُّنْيَا وَكَدَّرَهَا؛ لِئَلَّا يَسْكُنُوا إِلَيْهَا، وَلَا يَطْمَئِنُّوا إِلَيْهَا، وَيَرْغَبُوا فِي النَّعِيمِ الْمُقِيمِ فِي دَارِهِ وَجِوَارِهِ، فَسَاقَهُمْ إِلَى ذَلِكَ بِسِيَاطِ الِابْتِلَاءِ وَالِامْتِحَانِ، فَمَنَعَهُمْ لِيُعْطِيَهُمْ، وَابْتَلَاهُمْ لِيُعَافِيَهُمْ، وَأَمَاتَهُمْ لِيُحْيِيَهُمْ)[18].

 

وَاللَّهُ تَعَالَى جَعَلَ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ مَنَازِلَ فِي الْجَنَّةِ أَرَادَ أَنْ يُكْرِمَهُمْ بِهَا، فَابْتَلَاهُمْ بِالتَّكَالِيفِ الْمُخْتَلِفَةِ الْمُتَنَوِّعَةِ؛ لِكَيْ يَنَالُوا بِذَلِكَ أَرْفَعَ الْمَقَامَاتِ، وَأَسْمَى الدَّرَجَاتِ، فِي عَالِي الْجَنَّاتِ، فَلَمْ يَقِفِ الْأَمْرُ عِنْدَ جَزَائِهِمْ؛ بَلْ تَعَدَّى ذَلِكَ إِلَى رَفْعِ دَرَجَاتِهِمْ بِالِابْتِلَاءِ. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: (لَوْلَا هَذَا الِابْتِلَاءُ وَالِامْتِحَانُ لَمَا ظَهَرَ فَضْلُ الصَّبْرِ، وَالرِّضَا، وَالتَّوَكُّلِ، وَالْجِهَادِ، وَالْعِفَّةِ، وَالشَّجَاعَةِ، وَالْحِلْمِ، وَالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ يُحِبُّ أَنْ يُكْرِمَ أَوْلِيَاءَهُ بِهَذِهِ الْكَمَالَاتِ، وَيُحِبُّ ظُهُورَهَا عَلَيْهِمْ؛ لِيُثْنِيَ بِهَا عَلَيْهِمْ هُوَ وَمَلَائِكَتُهُ، وَيَنَالُوا بِاتِّصَافِهِمْ بِهَا غَايَةَ الْكَرَامَةِ وَاللَّذَّةِ وَالسُّرُورِ - وَإِنْ كَانَتْ مُرَّةَ الْمَبَادِئِ، فَلَا أَحْلَى مِنْ عَوَاقِبِهَا)[19].



[1] انظر: القاموس المحيط، (ص1099)؛ الصحاح، (4/ 1424)؛ تاج العروس، (12/ 465).

[2] انظر: الإحكام في أصول الأحكام، للآمدي (1/ 215)؛ مجموع الفتاوى، لابن تيمية (10/ 344).

[3] الواجِبُ: هو ما تُوُعِّدَ بالعقابِ على تَرْكِه. وقيل: ما يُعاقَبُ تارِكُه. وقيل: ما يُذَمُّ تارِكُه شَرْعًا. انظر: المستصفى، للغزالي (ص53)؛ روضة الناظر، لابن قدامة (ص26)؛ إرشاد الفحول، للشوكاني (ص23).

[4] المَنْدُوبُ: ما يُمدح فاعِلُه، ولا يُذَمُّ تارِكُه. وقِيل: هو الذي يكون فِعْلُه راجِحًا في نَظَرِ الشَّرْع، ويُقال له: مُرَغَّبٌ فيه، ومُسْتَحَبٌّ، ونَفْلٌ، وتَطَوُّعٌ، وإحْسَانٌ، وسُنَّة. انظر: المستصفى، (ص53)؛ المنخول، للغزالي، (ص137)؛ إرشاد الفحول، (ص24).

[5] الحَرامُ: هو ما يُذَمُّ فاعِلُه، ويُمْدَحُ تارِكُه. ويُقال له: المُحَرَّم، والمَحْظُور، والمَعصِية، والذَّنْب، والمَزْجُورُ عنه، والمُتَوَعَّدُ عليه، والقَبِيح. انظر: إرشاد الفحول، (ص24)؛ المستصفى، (ص23)؛ روضة الناظر، (ص41).

[6] المَكْرُوهُ: هو ما يُمدَحُ تارِكُه، ولا يُذَمُّ فاعِلُه. ويُقال بالاشتراك على أمورٍ ثلاثةٍ: على ما نُهِيَ عنه نهي تنزيه؛ وهو الذي أُشْعِرَ فاعِلُه أنَّ تَرْكَه خيرٌ من فِعلِه، وعلى تَرْكِ الأَولى؛ كتركِ صلاةِ الضُّحى، وعلى المحظور. انظر: إرشاد الفحول، (ص24)؛ المستصفى، (ص53)؛ روضة الناظر، (ص41).

[7] انظر: شفاء العليل، (ص248).

[8] انظر: إغاثة اللهفان، (1/ 31).

[9] انظر: شفاء العليل، (ص246)؛ إغاثة اللهفان، (1/ 31).

[10] انظر: تفسير الطبري، (7/ 424)؛ تفسير الرازي، (9/ 110)؛ تفسير القرطبي، (4/ 289)؛ تفسير ابن كثير، (1/ 549).

[11] تفسير ابن كثير، (2/ 127).

[12] انظر: تفسير الطبري، (22/ 74)؛ تفسير القرطبي، (17/ 113)؛ تفسير ابن كثير، (7/ 463).

[13] غَرْفَة: الغَرْفُ: أَخْذُ الماءِ باليد، والغَرْفَةُ: هي المرَّةُ الواحدة منه. انظر: القاموس المحيط، (ص7810).

[14] انظر: تفسير الطبري، (4/ 481)؛ تفسير البغوي، (1/ 301).

[15] انظر: تفسير الطبري، (2/ 171)؛ تفسير ابن كثير، (1/ 436).

[16] انظر: تفسير الطبري، (3/ 155)؛ تفسير القرطبي، (2/ 157)؛ تفسير ابن كثير، (2/ 10).

[17] انظر: تفسير الطبري، (8/ 671)؛ تفسير ابن أبي حاتم، (4/ 1203)، رقم (6784).

[18] إغاثة اللهفان، (2/ 915).

[19] شفاء العليل، (ص244).





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • مناقب سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه (خطبة)
  • مواقف بكى فيها النبي صلى الله عليه وسلم
  • المهدي: صفاته وعجائب زمانه (خطبة)
  • يأجوج ومأجوج (خطبة)
  • التحذير من فتنة الزوجات والأولاد (خطبة)
  • ابتلاء الإنسان سنة كونية (خطبة)
  • الابتلاء بالمصائب والنعم (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • الرقية الشرعية آداب ومخالفات (خطبة)(محاضرة - مكتبة الألوكة)
  • المكروهات الشرعية (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تعظيم النصوص الشرعية (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الذكاء الاصطناعي: ضوابط شرعية ومسؤوليات أخلاقية (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • سورة ق في خطبة الجمعة وأبرز سننها الكونية والشرعية (خطبة)(مقالة - موقع د. صغير بن محمد الصغير)
  • الذكاء الاصطناعي بين نعمة الشكر وخطر التزوير: وقفة شرعية (خطبة)(مقالة - موقع د. صغير بن محمد الصغير)
  • من نعم الابتلاء بالمرض (خطبة)(مقالة - موقع د. صغير بن محمد الصغير)
  • من ألطاف الله تعالى في الابتلاء (خطبة)(مقالة - موقع الشيخ إبراهيم بن محمد الحقيل)
  • فوائد الابتلاء بالمرض (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الثبات عند الابتلاء بالمعصية (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • مسلمون يقيمون مبادرة خيرية لتوزيع الحقائب والمستلزمات المدرسية في شيكاغو
  • "علماء الدين المسلمون: جيل جديد": برنامج علمي يجمع مشاركين من 17 منطقة روسية
  • أكثر من 100 شخص يتعرفون على الإسلام خلال يوم المسجد المفتوح في ميلفيل
  • اختتام منافسات قرآنية متميزة في بنغلاديش بمشاركة 3000 متسابق
  • أكثر من 400 طالب يشاركون في مسابقة المعلومات الإسلامية بأستراليا
  • افتتاح تاريخي لأول مسجد في بلييفليا بالجبل الأسود منذ أكثر من قرن
  • منطقة ريبوفسي تحتفل بميلاد مسجد جديد في أجواء إيمانية مميزة
  • أكبر مشروع إسلامي في ريف أستراليا يفتتح أبوابه بعد سنوات من العمل والعطاء

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 28/2/1448هـ - الساعة: 15:53
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب